الشيخ محمد رشيد رضا
514
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الجواب على ما بعدهما بالفاء . وأما آية الأعراف فقد جاءت بعد جملة اسمية وهي قوله ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) واسناد صفة الاسراف إليهم فيها مقصود بالذات دون ما قبله من فعل الفاحشة الذي كان بتكراره علة لهذه الصفة وكان الاصرار عليه معلولا لها ، وثم وجه آخر لعطف هذه بالواو مبني على ما استظهرناه من كون الامر باخراجه عليه السّلام من بعضهم قد كان بعد الانذار والوعيد به من آخرين منهم فكان بهذا في معنى المعطوف عليه - فكأنه قال : فما كان جواب قومه إلا أن قال بعضهم : لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ، وأن قال بعضهم أخرجوا آل لوط من يتكم ، وردده آخرون أخرجوهم من يتكم ، وهذه الدقة في اختلاف التعبير في المواقع المتحدة أو المتشابهة لأمثال هذه النكت لا تجدها مطردة إلا في كتاب اللّه تعالى ، وهي من إعجازه اللفظي ولذلك يغفل عنها أكثر المفسرين بعد كتابة ما تقدم راجعت ( روح المعاني ) فإذا هو يقول : وانما جيء بالواو في ( وَما كانَ ) الخ دون الفاء كما في النمل والعنكبوت لوقوع الاسم قبل الفعل هنا والفعل هناك ، والتعقيب بالفعل بعد الفعل حسن دون التعقيب به بعد الاسم ، وفيه تأمل اه ولعمري إنه جدير بالتأمل للفظه الذي أورده به أولا ولمعناه بعد فهمه ثانيا ، فان ظهر للمتأمل أن وجه الحسن في التعقيب ما بسطناه انتهى تعب التأمل بالقبول ان شاء اللّه ولم يكن عبثا ، وإلا كان حظه منه كد الذهن وإضاعة الوقت معا ، وما كتبت هذه النكتة ، الا لأقول فيها هذه الكلمة ، واني بذكاء أصحاب الايجاز المخل من المعجبين ، وان قل من ينتفع بعلمهم من الصابرين ، وسيقل عددهم في هذه الأمة كما قل في غيرها من الأمم التي عرفت قيمة العمر ، فضنت به أن يضيع جله في حل رموز زيد وعمرو ( فان قيل ) إن المعهود من أهل الرذائل أن ينكروها أو يسموها بغير اسمها ويألمون ممن يعيرهم بها لما جبل اللّه عليه البشر من حب الكمال وكره النقص فكيف علل قوم لوط اخراجه هو ومن آمن معه بأنهم يتطهرون ويتنزهون من أدران الفواحش وهو شهادة لهم بالكمال وشهادة على أنفسهم بالنقص ؟ ( فالجواب ) ما قال الزمخشري فيه وهو انه : سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخارهم بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف ، وأريحونا من هذا المتزهد اه ومثله معهود من المجاهرين بالفسق ، وللنقص والرذائل دركات ،